هل التفاوض المباشر مع العدو قانوني؟، أم أنّه يصطدم بمنظومة قواعد قانونية مُحكمة لا تترك مجالًا للاجتهاد السياسي؟ وهل مقاطعة إسرائيل خيار سياسي قابل للتبدّل، أم التزام قانوني كرّسه التشريع اللبناني منذ عقود؟ بين القانون والسياسة، تتداخل أسئلة جوهرية حول حدود صلاحيات السلطة في أي مسار تفاوضي مباشر، وحول ما إذا كان هذا المسار يشكّل خرقًا لقواعد النظام العام أو يندرج ضمن خيارات ظرفية قابلة للتأويل. فأين تقف المادة 52 من الدستور أمام واقع عدم الاعتراف «بإسرائيل»؟ وهل يمكن اعتبار أي تفاوض مباشر معها مساسًا بالمنظومة القانونية أم شكلًا من أشكال التطبيع والاعتراف الضمني؟ وإلى أي مدى يمتد هذا النقاش ليطال مفاهيم السيادة والالتزامات الدستورية؟
أسئلة تفتح النقاش على مساحة أوسع من الجدل القانوني، في إطار ما قدّمه تجمع «حقوقيون وطنيون» خلال لقائه الذي حمل عنوان «مقاومة التطبيع ورفض التفاوض المباشر» في نقابة الصحافة في بيروت، حيث عُرضت مقاربات قانونية دقيقة لهذه الإشكاليات بحضور محامين وشخصيات حقوقية متخصصة.
من هو تجمع «حقوقيون وطنيون»؟
تجمع «حقوقيون وطنيون» هو إطار قانوني-حقوقي يضم محامين وقانونيين لبنانيين، يضعون في صلب عملهم الدفاع عن الشرعية وتطبيق القانون وصون السيادة الوطنية. وبحسب ما توضح المحامية فداء عبد الفتاح، فإن أعضائه هم مواطنون لبنانيون أقسموا على حماية الحق والالتزام بالمهمة القانونية والأخلاقية في مختلف الميادين، معتبرين أن الدفاع عن الحقوق ليس مجرد مهنة بل التزام وطني وأخلاقي، ويُقدَّم هذا التجمع على أنه مساحة جامعة لكل من يحمل قضية حماية الأرض والسيادة في مواجهة أي اعتداء أو تطبيع أو تعامل مع العدو، حيث يرى القائمون عليه أن «المقاومة القانونية» تشكّل جزءًا أساسيًا من منظومة المقاومة الشاملة، إلى جانب الأشكال الأخرى، وأنها تعمل كدرع قانوني يواكب ويوازي سائر أدوات المواجهة.
وتدعو عبد الفتاح التي تولت تقديم برنامج المؤتمر كل من يجد نفسه معنياً بالمواجهة من مسافة صفر قانونية في وجه هذا العدو المجرم وكل آلياته ومن يروج له ويتعامل على دمنا ومستقبل أولادنا الانضمام إلى التجمع من أجل تشكيل درع قانوني على إمتداد الوطن.
هل مقاطعة إسرائيل خيار سياسي أم التزام قانوني؟
يؤكد المحامي جاد طعمه أنّ الإجابة لا تحتمل التباسًا، إذ إنّ المنظومة القانونية اللبنانية تُنشئ نظامًا قانونيًا متكاملًا مانعًا لأي شكل من أشكال التطبيع، يتضمن قواعد واضحة تضع هذه المسألة في إطار الإلزام لا الاختيار، ويرتقي إلى مصاف القواعد الآمرة المرتبطة بالنظام العام (ordre public)، وفي مقدمة هذه النصوص، يأتي قانون مقاطعة إسرائيل، الصادر في 23 حزيران 1955، الذي لم يكتفِ بحظر التعامل الاقتصادي، بل جاء بنصّ شامل يمنع أي نوع من أنواع التواصل أو التعامل مع إسرائيل أو مع أشخاص وهيئات منتمية إليها، سواء كان ذلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وبأي صفة كانت. هذا التوسّع في التجريم، وفق ما أوضح طعمه، يعكس توجّهًا تشريعيًا يرمي إلى إقفال كل المنافذ التي قد تُستخدم للالتفاف على مبدأ المقاطعة.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يكرّس قانون العقوبات اللبناني، ولا سيما في مواده التي تبدأ من المادة 273 وما يليها، تجريم الاتصال بالعدو والتعامل معه، مع إعطاء مفهوم هذا الاتصال بُعدًا واسعًا في الاجتهاد القضائي، بحيث لا يُشترط أن يكون مباشرًا أو معلنًا، بل يكفي أن يندرج ضمن سياق قد يحقق منفعة للعدو أو يخلّ بالمصلحة الوطنية. وقد استقرّ القضاء اللبناني، وخصوصًا في قرارات المحكمة العسكرية الدائمة، على تفسير موسّع لهذه النصوص، ما يعزّز من طابعها الردعي ويحدّ من أي محاولات لتضييق نطاق تطبيقها.
وحالة العداء مع الكيان الصهيوني معزز اضافة الى القوانين المذكورة أعلاه بمضمون اتفاقية الهدنة وبناءات القرار ١٧٠١ الصادر عن مجلس الأمن الدولي وفي الأسباب الموجبة للقانون الذي عالج أوضاع اللاجئين اللبنانيين في اسرائيل.
ويخلص طعمه إلى أنّ هذه القواعد، عند قراءتها مجتمعة، لا يمكن اعتبارها مجرّد نصوص متفرقة، بل تشكّل ما يُعرف في الفقه القانوني بقواعد النظام العام، أي تلك التي لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو تجاوزها، ولا يمكن تعطيلها بقرار سياسي أو اجتهاد ظرفي.
وبناءً على ذلك، يطرح تساؤلًا محوريًا حول مدى إمكانية التوفيق بين هذه المنظومة القانونية الصارمة، وأي مسار يتّجه نحو التفاوض المباشر مع العدو دون تعديلها، معتبرًا أنّ أي خطوة من هذا النوع، إذا لم تستند إلى تعديل صريح لهذه القواعد، تبقى فاقدة للمشروعية القانونية، حتى وإن صدرت عن سلطة شرعية.
هل تفاوض السلطة السياسية تجاوز لحدود الصلاحيات الدستورية؟
يجيب المحامي أسامة رحّال عن هذا السؤال إنطلاقاً من المادة 52 من الدستور اللبناني، التي تنظّم صلاحية رئيس الجمهورية في التفاوض بشأن الاتفاقيات الدولية وإبرامها، تفترض أصلًا وجود أطراف من أشخاص القانون الدولي. غير أنّ الإشكال، وفقًا له، يكمن في أنّ لبنان لا يعترف بإسرائيل كدولة ضمن هذا الإطار، ما يطرح تساؤلًا جوهريًا حول مدى إمكانية انطباق هذه الصلاحية على أي تفاوض مباشر معها.
وانطلاقًا من هذا المعطى، يذهب رحّال إلى أنّ مبدأ المشروعية الدستورية لا يسمح بفصل ممارسة الصلاحيات عن القيود الدستورية العامة، سواء كانت ناتجة عن نصوص صريحة أو مبادئ مستقرة في الفقه والاجتهاد. وبالتالي، فإنّ التفاوض المباشر مع طرف غير معترف به لا يُطرح كمسألة إجرائية فقط، بل كإشكالية تمسّ جوهر المشروعية الدستورية نفسها.
ويتعزّز هذا الطرح، بحسب رحّال، بالقول إنّ هذا النوع من التفاوض قد يُفهم منه شبهة اعتراف ضمني، وهو ما ينعكس على عناصر الدولة الأساسية، أي السيادة والأرض والشعب، وما يرتبط بذلك من إشكاليات دستورية تتصل بمبادئ مثل منع التوطين وبمسألة الأراضي اللبنانية المحتلة.
ومن زاوية أخرى، يربط رحّال هذا النقاش بالمادة 65 من الدستور اللبناني، التي تُدرج القرارات المصيرية، ومنها إعلان الحرب والسلم، ضمن صلاحيات مجلس الوزراء بأكثرية موصوفة. وعليه، فإنّ أي مسار من شأنه أن يؤدي إلى تحويل العلاقة مع العدو إلى حالة سلمية دائمة لا يمكن النظر إليه إلا كقرار مصيري يستوجب توافقًا دستوريًا واسعًا داخل السلطة التنفيذية.
وفي الإطار ذاته، يشير إلى أنّ اجتهاد المجلس الدستوري كرّس مبدأ تفسير النصوص الدستورية في ضوء المبادئ العامة، بما يسمح بتوسيع مفهوم التوافقية والميثاقية ليشمل القضايا السيادية الأساسية، لا أن يقتصر على المسائل الإجرائية أو الشكلية.
واستكمالًا لهذا التصور، يستحضر رحّال مضمون وثيقة الوفاق الوطني (اتفاق الطائف)، التي نصّت على تحرير الأراضي اللبنانية بكل الوسائل المتاحة، معتبرًا أنّ أي مسار تفاوضي لا ينسجم مع هذا الهدف يطرح إشكالًا في التعارض مع جوهر هذا الاتفاق ومع الثوابت التي يقوم عليها النظام الدستوري اللبناني.
مواجهة التطبيع معركة شاملة
يفتح المحامي ريشار رياشي هذا النقاش من زاوية عملية، عبر طرح مقترح لخطة متكاملة لمواجهة التطبيع على مستويات متعددة، معتبرًا أنّ المواجهة لم تعد محصورة بالإطار القانوني الضيق، بل باتت تتطلب مقاربة شاملة تتداخل فيها الأبعاد القانونية والسياسية والإعلامية والشعبية.
على المستوى القانوني، إن المواجهة تنطلق من تفعيل القوانين النافذة التي تجرّم مختلف أشكال التعامل مع العدو، إلى جانب اللجوء إلى الطعن أمام مجلس شورى الدولة والمجلس الدستوري في أي قرارات قد تتعارض مع هذا الإطار، فضلًا عن التصدي لأي محاولة تهدف إلى تعديل أو إلغاء قوانين المقاطعة أو تفريغها من مضمونها. أما على المستوى السياسي، فيعتبر أنّ المواجهة تستوجب تفعيل الرقابة البرلمانية بشكل جدي، بما يشمل مساءلة الحكومة وطرح الثقة بها عند الاقتضاء، إضافة إلى العمل على تشكيل جبهة سياسية واضحة ترفض أي مسار يؤدي إلى التطبيع أو التفاوض المباشر خارج الأطر الدستورية.
وفي البعد الإعلامي والثقافي، يشدد رياشي على أهمية تفكيك خطاب التطبيع ومساءلته، عبر إنتاج محتوى يعيد تثبيت الوعي الوطني، ومواجهة السرديات التي تسعى إلى تبرير أو تلميع أي شكل من أشكال التواصل مع العدو. كما يلفت إلى أنّ المقاطعة لا تُختزل في بعدها الاقتصادي، بل تمتد لتشمل السياسة والثقافة والإعلام وحتى الرياضة، معتبرًا أنّ توسّعها عالميًا جعل منها أداة ضغط مؤثرة على الحكومات وصنّاع القرار. وفي البعد الشعبي، يدعو رياشي إلى تنظيم تحركات سلمية والضغط لمنع أي مسار تفاوضي مباشر، مع إعادة ربط القرار السياسي بالإرادة الشعبية بوصفها عنصرًا أساسيًا في أي معادلة سيادية.
ويخلص إلى أنّ مواجهة التطبيع لم تعد قضية قانونية فقط، بل تحولت إلى معركة شاملة تتداخل فيها مستويات الدولة والمجتمع في آن واحد.